" إتِّصال " "قصّة قصيرة"للقاص الروائي /د.علي حجازي
" إتِّصال "
"قصّة قصيرة"
جرس الهاتف يرنّ رنات متواصلة. نظرت فألفيت الشاشة خضراء، ولا رقم فيها.
"غريب! هل أردّ على اتصال غريب في هذا الزمن الرديء الذي بات فيه كلّ أمرٍ عرضة للاختراق وللمخاطر العديدة، وأضحت فيه الحريّات الشخصيَّة مستباحةً"(همست )
استمرار الرنين حفّزني على الردّ
-- ألو نعم
--
-- من؟ الأستاذ محمد عيتاني؟
(شعرت بارتعاشة خفيفة، فالأستاذ غادر دنيانا الفانية منذ ثمان وثلاثين سنة ، أي قبل التحرير باثنتي عشرة سنة).
كيف أحوالك؟ عسى أن تكون مرتاحاً في عالمك الثاني؟
-- أنا الذي تشغلني أحوالكم في هذا العصر المأفون الذي يسوق فيه العالم بعصاه رجل متكبّر ملعون.
-- شكراً لك على نبل اهتمامك وعلى موقفك الإنسانيّ الراقي. تفضّل أسمعك، وقبل تفضّلك لديَّ سؤال:
من الذي أعطاك رقمي؟
-- الطالب حسين الذي حاضر شهيداً عن ثقافة الحياة، والذي كتبت قصّته ردّاً على خفافيش الليل الذين يصفونكم بعشّاق الموت، وأخبرني أنّه أعدّ بحثاً في روايتي : "حبيبتي تنام على سرير من ذهب" التي اعتمدتها أنت في السنة الأولى لطلاب الماستر.
-- أعدتني إلى تسعينيَّات القرن الماضي. نعم، فالطلاب أعدّوا أبحاثاً بعناوين مختلفة ، وأعجبتهم روايتك كثيراً.
-- كيف حال الحبيبة والسرير في ظلّ هذه الأجواء الضاغطة؟
-- بإيجاز أخبرك، وأنت تعلم من الأخبار التي يحملها الشهداء إليكم، أنّ الحبيبة التي افترش لها الفرّاشون ذلك السرير القديم لينام عليه شارون وزمرته مطمئنين، استطاع أبطالنا السعداء الميامين من حمايتها فتمنّعت عليه واندحر، وفي العام ألفين وستّة كرّر المحاولة ، فخرج مرذولاً يجرجر أذيال الخيبة، ومنذ سنة ونيّف، أي بعد حربٍ استمرّت ستةً وستين يوماً لم يستطع خلالها احتلال بلدة الخيام على الرغم من تلك الأعداد البالغة سبعين الفاً، وذلك العديد الهائل، مضافاً إلى التفوّق العسكري والتكنولوجي، والغدر البيولوجي المتأصِّل فيهم. نعم بكلِّل فخرٍ واعتزاز اقول : عجزوا، ولكن؛
-- ماذا شغلت بالي؟
-- الفرّاشون، وإن تبدّلت أسماؤهم وألقابهم ومواقعهم، لا يزالون مصرّين على تلبية رغبات ذلك العدو الذي يسيل لعابه شهوةً لافتراس هذه الحبيبة.
-- أين خناجركم؟ هل تخلّيتم عنها؟
-- هنا مربط الفرس، فالنتن ومعلّمه مع الأذناب الغرباء في الخارج يضغطون على الفرّاشين في الداخل بغية حصر الخناجر وإتلافها، ومنعهم من الاحتفاظ بها.
-- ماذا بعد أثرت مشاعري؟
-- وسط حملات السعار والشتائم والسباب التي تطول كلّ حامل خنجر أو مؤيّد له، أصدر الفرّاشون الذين لا يخجلون من "تنظيف" السرير، وكفّ أيدي الشرفاء المنذورين للدفاع عن الحبيبة، والادّعاء عليهم في أقذر حملة تكميم للأفواه.
-- هذا يذكّرني بتلك الصرخة المدويّة التي أطلقها الشاعر الكبير مظفر النواب حيث قال:
القدس عروس عروبتكم فلماذا أدخلتم كلّ زناة الليل إلى حجرتها ...؟
-- أحسنت وأجدت، والآن يمكننا بعث الصرخة من جديد:
-- بيروت عروس عروبتكم فلماذا تستميتون لإدخال زناة العالم إلى حجرتها.
-- هل من عبارة تطمئنني فيها إلى سلامة حبيبتي التي تستصرخ الشرفاء لحماية شرفها؟
-- أذكّرك بعبارة أطلقها سماحة الإمام السيد موسى الصدر حيث قال:
ألسلاح زينة الرجال، ونحن الرجال الرجال، نستشهد ولا نتخلى عن زينتا، أقصر الزمان أم طال، ونحن على يقين من أنّ هؤلاء الزناة مع الفرّاشين المنبطحين الأرذال إلى زوال...
غابستان في 23/1/2026
د.علي حجازي
تعليقات
إرسال تعليق