وقفة تأمل/بقلم الشاعر عبدالحبيب محمد أبو خطاب
وقفة تأمل
ـــــــ
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل.
صيف هادئ يلفّ الأرجاء، والحقول الغنّاء قد بلغت أوج اخضرارها، والسماء تلبّدت بغيومٍ وديعة كأنها وشاح حنين فوق كتف الأرض.
هطلت قطرات المطر برفق، تُقبل أوراق الذرة وأغصان الشجر كقبلات أمٍ تخشى أن تُوقظ وليدها. وكان الصوت...
كأن الكون يعزف سيمفونية من حنين، يُحرك بها ساكن القلب، ويوقظ بها روحًا طال رقادها.
ثم، كما لو أن السماء تنصتُ للحظة، توقفت الأمطار.
هبّ نسيم الموسم، نديًّا، عابرًا، يمرُّ بين السنابل فيحرّكها كما تتحرك أوتار العود إذا داعبتها يد عاشق.
بدأت الغيوم تنسحب ببطء، كأنها تُفسح الطريق لضيفٍ عزيز، فإذا بالبدر يطلُّ من عليائه، مكتملًا، ناصعًا، يسكب ضياءه الفضي على المدرجات الزراعية فتبدو كأنها سجادة نور نسجتها يد السماء.
تلك اللحظة...
أرهفت السمع. أطلقت البصر. وسكنت النفس.
بدأت أسمع ما لا يُسمع، وأرى ما يتوارى خلف عاديات النظر.
النسيم يداعب الأشجار، وكل ورقة تهتز كأنها تهمس: "سبّحان الله".
صوت الريح يُترجم ترانيم المخلوقات، الهمس يتحوّل إلى نشيد، والسكينة تُصبح لغة الكون.
سمعت صوت حشرة تنشد من جحرها لحناً لا ينتمي إلى هذا العالم الصاخب،
وكأنها تقول لي: "هنا، في صمت الليل، حياةٌ لا تراها أعين الغافلين".
وغرقت أكثر...
صمتٌ عميق، لكنه مليء بالكلام.
هدوءٌ كثيف، لكنّه مزدحم بالتسبيح.
وفجأة، نقيق الضفادع يعلو، لا ليقطع هذا السكون، بل ليكتبه بصوته.
لم يكن ضجيجًا، بل مشاركة... كأن كل مخلوق أخذ دوره في هذا الوجود، يرفع صوته بمقطع من أنشودة الخضوع للخالق.
تساءلتُ بيني وبين نفسي:
أهذا الجمال يحدث كل ليلة، وأنا عن حضرته غافل؟
أيمرُّ الكون بليالٍ من التسبيح، وأنا نائم لا أُبصر شيئًا منه؟
أم أن البصيرة لا تنفتح إلا لمن طرق باب التأمل بصدق؟
وفيما أنا غارق في هذه التساؤلات،
صدح ديك الجيران بصوته المعتاد... لكنّه لم يكن معتادًا!
صوته جاء هذه المرّة لا ليعلن وقتًا، بل ليوقظ قلبًا.
كأنّه ناقوس، يُعلن ميلاد لحظة يقظة في عالم غفلتي.
نظرت إلى ساعتي.
الثانية بعد منتصف الليل.
في تلك اللحظة... لم تعد أذناي تسمعان كما كانت، بل سمع قلبي.
سمعت تسبيح الشجر، وحمد الحجر، وتهليل الدواب، وتكبير الحشرات.
أيقنت أن لكل شيء لغة، ولكل مخلوق دعاء، ولكل ذرة في الوجود تسبيح لا يُفصح عنه الصوت، بل تُدركه الأرواح التي أُزيل عنها حجاب الغفلة.
> "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ"
عندها خفق قلبي بخشوع، وسكنت جوارحي بخشية.
شعرت أنني ولأول مرة... أنتمي لهذا الكون.
أنني صرت نغمة في هذه السمفونية الكبرى، لا نشازًا كما كنت في غفلتي.
إنّ هذا الكون لا يسير اعتباطًا، ولا يصمت أبدًا، بل كل ما فيه يسبّح، ويخضع، ويسجد.
أدركت أن رؤية هذا الجمال ليست للبصر، بل للبصيرة.
وأن مفتاح هذه البصيرة هو الذكر، كما قال تعالى:
> "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا ۚ سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"
الذكر... ثم الفكر.
الذكر يُوقظ، والفكر يهتدي.
ومن لم يذكر، لم يفكر، ومن لم يُبصر، لن يشكر.
الآن فقط، عرفتُ...
أن الغفلة لا تحجب العين فقط، بل تحجب القلب عن أن يرى النور.
وأن الذاكر لله هو الوحيد الذي يُصغي لصوت الكون من حوله،
ويرى الجمال لا بعينه، بل بعقله وروحه.
فسبحان من أبدع الجمال، وألهم الأرواح تذوّقه، وقلوب المؤمنين إدراكه.
نَــسَــمَــاتُ لَــيْــــلٍ قَــدْ تَــهــــادى طِــيــفُــهَــا
وَالــــــــكَـــــائِــــنَــــاتُ تُــــــرَددُ الــأَذْكَــــــــــارَا
سَــكَنَ الــدُجَــى وَعَــلَــى الــسُــكُــونِ حِــكَايَــةٌ
تَــــــــــــهْــــــــدِي لِــقَــلْــبٍ ذَاكِـــــــرٍ أَسْـــــرَارَا
---تمّ . ولكن التأمل لا ينتهي.
بقلم: عبد الحبيب محمد
سبحان من أبدع الخلق، وألهم القلوب أن تعرفه وتذكره
تعليقات
إرسال تعليق