قصة قصيرللشاعر /أحمد النقيب
قصة قصيرة
المرأة الزجاجية
في قرية صغيرة تقع بين الجبال والغيوم، كان يعيش سكانها على حافة الحلم والحقيقة. في وسط القرية، فوق تلة مرتفعة، كانت هناك قصورٌ شفافة تلمع تحت أشعة الشمس كأنها مصنوعة من بلور نقي. لكنها لم تكن مجرد قصور... بل كانت بيتًا لـ "المرأة الزجاجية".
كانت المرأة الزجاجية كائناً غامضًا، لا تشيخ ولا تمرض، جسمها شفاف كالماء البارد، وقلبها يُرى ينبض بلون أزرق فاتح، كأنه شعلة ضوء خافتة. قالوا إنها ولدت من دمعة نجمة سقطت على صخرة قديمة، وقال آخرون إنها لعنة تحولت إلى جمال. لكنها لم تتحدث يومًا عن نفسها، فقط كانت تجلس على شرفة القصر كل مساء، تنفث زفيرًا باردًا يصنع ضبابًا حول القلعة، وكأنها تتنفس الحياة إلى القرية.
كان الأطفال يخشونها ويحبون النظر إليها من بعيد، بينما الكبار كانوا يتجنبون العبور قرب تلتها بعد المغيب. ولكن في يومٍ من الأيام، جاء شابٌ غريب إلى القرية. اسمه "ليان"، رسام فقير من مدينة بعيدة، جاء يبحث عن الإلهام ليصنع لوحته الأخيرة قبل أن يموت.
سُحر ليان بالمرأة الزجاجية من النظرة الأولى. لم يرهبها، بل رأى فيها جمالاً لا يوصف، وكأنها لوحة حية لم تُرسم بعد. بدأ يرسمها كل مساء من بعيد، لكن كل مرة كانت تبدو غير مكتملة، كما لو أن جزءًا منها يرفض أن يُمسك بالريشة.
ذات ليلة، قرر أن يصعد التلة رغم التحذيرات. عندما وصل، وقف أمامها دون خوف. نظرت إليه المرأة الزجاجية، وبدأت ألوانها تتغير، قلبها الأزرق أصبح أحمرًا للحظة واحدة.
قال لها:
"أنتِ ليستِ مجرد ظاهرة... أنتِ قصة تريد أن تُحكى."
ابتسمت لأول مرة، وكان ابتسامها يشبه صوت الزجاج الخفيف حين يلامس بعضه. دخل معها القصر، وهناك سمع قصتها:
كانت يومًا ما فتاة بشرًا عاشت منذ مئات السنين، وأحبت بشدة، لكن حبيبها مات بسبب وباء أصاب القرية. وفي ليلة موته، بكَت حتى جف دموعها، ثم طلبت من الزمن أن يتوقف، وأن يجعلها لا تموت، لتبقى تذكارًا له للأبد. استجاب الزمن، لكن بشروط: أن تكون شفافة، لا يمكن لأحد أن يلمسها أو يفهمها، إلا من ينظر إليها بلا خوف وبقلب صادق.
ومنذ ذلك اليوم، وهي تنتظر من يراها حقًا، لا جسدًا، بل روحًا.
ليان لم يرسمها بعد ذلك، بل كتب عنها قصة، تركها عند باب القصر، ثم رحل. ومنذ ذلك الحين، بدأ الناس يأتون للتلة، ليس لخوف، بل لرؤية المرأة الزجاجية التي أصبحت رمزًا للحب الذي لا يموت.
والآن، إذا سمعت أحدًا يقول لك:
"هل ذهبت يومًا لترى المرأة الزجاجية؟"
فافهم أنه يسألك:
"هل عشت يومًا حبًا حقيقيًا يبقى مدى الزمان؟"
الكاتب/أحمد النقيب
تعليقات
إرسال تعليق