وقفة تأمل ـــــــ كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل. صيف هادئ يلفّ الأرجاء، والحقول الغنّاء قد بلغت أوج اخضرارها، والسماء تلبّدت بغيومٍ وديعة كأنها وشاح حنين فوق كتف الأرض. هطلت قطرات المطر برفق، تُقبل أوراق الذرة وأغصان الشجر كقبلات أمٍ تخشى أن تُوقظ وليدها. وكان الصوت... كأن الكون يعزف سيمفونية من حنين، يُحرك بها ساكن القلب، ويوقظ بها روحًا طال رقادها. ثم، كما لو أن السماء تنصتُ للحظة، توقفت الأمطار. هبّ نسيم الموسم، نديًّا، عابرًا، يمرُّ بين السنابل فيحرّكها كما تتحرك أوتار العود إذا داعبتها يد عاشق. بدأت الغيوم تنسحب ببطء، كأنها تُفسح الطريق لضيفٍ عزيز، فإذا بالبدر يطلُّ من عليائه، مكتملًا، ناصعًا، يسكب ضياءه الفضي على المدرجات الزراعية فتبدو كأنها سجادة نور نسجتها يد السماء. تلك اللحظة... أرهفت السمع. أطلقت البصر. وسكنت النفس. بدأت أسمع ما لا يُسمع، وأرى ما يتوارى خلف عاديات النظر. النسيم يداعب الأشجار، وكل ورقة تهتز كأنها تهمس: "سبّحان الله". صوت الريح يُترجم ترانيم المخلوقات، الهمس يتحوّل إلى نشيد، والسكينة تُصبح لغة الكون. سمعت صوت حشرة تنشد من جحرها لحناً لا ينتمي إل...
تعليقات
إرسال تعليق