مخلدة في ذاكرتي...الكاتبة إيمان خالد
*مخلدة في ذاكرتي*
تخيل أنك تجوع يوما كاملا وفي نهاية اليوم تأكل بيضة مسلوقة !
لماذا ؟ لا أدري !
حين عاتبت الممرضة ، لم ترد علي وحين ضجرت من أسئلتي قالت بغضب : يكفي ! إنها المرة الرابعة التي أحضر لك الطعام وتنسى.. وأردفت بعد زفرة ضيق : قريبًا أنا التي سأجن بسببكم .
لم أستفسر منها ماذا تقصد .. أنا أعلم أنني أخضع للعلاج في هذا المصح ، لكن لماذا قالت أنا التي سأجن ؟ هل تقصد أني مجنون؟
لا أظن ذلك .. فأنا عقلي يزن بلدا ، ولكنني هنا لأنني أعاني من إلزهايمر مبكر الذي يُعد من الحالات النادرة التي قد تصيب 5% فقط من جميع المصابين بمرض إلزهايمر ، وقد أخبرني الطبيب أنني في بداية المرض وأنه يسبب تلفا في خلايا الدماغ إلى أن تنتهي في النهاية! لم أسأله ماذا يقصد وهل الموت مصيري لأنني لا أحب أن أعيش وأنا على دراية بما سيحدث ، أحب أن أترك كل شيء يسير كما يشاء الله ، فقط قررت أن أجلس هنا إن كان هذا سيعطيني التحسن مع أن الطبيب قال لي لا يوجد علاج متاح حاليا للمرض بشكل كامل، إلا أن هناك علاجات تساعد بالتحكم بأعراض المرض بيد أنها لن تستطيع منع تطوره .
وعلى مايبدو أني أصبحت أنسى كثيرا في الآونةِ الأخيرة، ولكنني لا أعلم لماذا المرض لا يقترب من الأشياء التي أريد أن أنساها ، لماذا لم يقترب من "جمان" المرأة التي حاولت بكل ما أؤتيت من نسيان بأن أنساها ، أحتى إلزهايمر لم يستطع محوها من ذاكرتي ؟
أي النساء تكون ؟
معصومة من النسيان هي !
إذن مرضي الحقيقي هو " جمان " وليس الزهايمر كما شخصه الأطباء .
لطالما كانت تشخيصات الأطباء خاطئة .
حين أجرى لي الطبيب جميع الفحوصات وأخبرني بأنني مريض بالإلزهايمر المبكر وأنني مازلت في البداية ، فرحت في بادئ الأمر ، أخيرا سأنسى جمان وكل شيء ، خمسة أشهر مرت والمرض يتطور أنسى كثيرا ، وكل مالايجب أن أنساه ، وجمان مازالت مخلدة في ذاكرتي !
أي إلزهايمر هذا الذي لا يستطيع أن يزيح ذكرى امرأة ..!
أتذكر كل تفاصيلها ، حتى خطوط يدها ، أتذكر تاريخ ميلادها ، وتاريخ لقائنا ، أتذكر رائحة عطرها الفرنسي وأتذكر اسمه ، أتذكر ابتسامتها وهي تعض على شفتها السفلى حين تخجل ، أتذكر صوت خطواتها وصوت أنفاسها وصوت نبضاتها .
أنا ليست مشكلتي النسيان يا عالم .. أنا مشكلتي التذكر ، ليذهب الطب إلى الجحيم إن كان لايعد هذا مشكلة !
زارني اليوم صديقي محمود .. لم أنسَ ركزوا لماذا ، لأنه ذكر لي جمان ، أخبرني أنها سألت عني .. وأنه أخبرها أنني في المصح أخضع للعلاج .
لابد من أنها شعرت بلذة الانتصار ، لقد جن بسببي ودخل المصح !
لا يا جمان أنا لم أجن بسببك أنا جننت بك ولكن كان للقدر رأي آخر ، أو ربما أنتِ التي كان لكِ الرأي .
على العموم حين أخبرني محمود أن جمان قد تأتي لزيارتي ، أخبرته أنني لا أريد رؤيتها ، أنا أعاني من رؤيتها طوال الوقت .. أراها حتى على نظارة الطبيب الذي يسرد لي كل يوم الاسئلة نفسها ، أنا أريدها أن تختفي عن عيني ، أريد فقط ولو لمرة واحدة أبصر لجدار ولا أجدها ، أريد ولو لمرة واحدة أن أبكي ولا يكون السبب طيفها .
لقد أتعبتني ذاكرتي .. وهم مازالوا يقولون لي مرضك النسيان ، أيعقل أنه لم ينتبه أحد في هذا المصح العريض على أن ذاكرتي ممتلئة بجمان ؟
ممل الجلوس بهذا المصح، لون الغرفة باهت وصوت المروحة كئيب جدا .. و التكييف لا يعمل ، ورائحة الذكريات التي في عقلي تفوح في المكان ، نصوم اليوم كله وفي نهاية اليوم نفطر بيضة مسلوقة ، إنها التاسعة والنصف وإلى الآن مازلتُ انتظر بيضت ي ومازلت أتذكر جمان !
إيمان خالد
تعليقات
إرسال تعليق